بدعم روسي وإيراني… حزب الله يتغلغل في السياسة اللبنانية

0 0
Read Time:8 Minute, 6 Second

إبراهيم شعيب

كشف تورّط حزب الله اللبناني في الأزمة السورية زيف الشعار الذي تبنّاه الحزب منذ تشكيله عام 1982م، وهو (المقاومة الراسخة والدائمة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية).

وأكدت دراسة للباحث سيباستيان ماير، أصدرها مؤخرًا مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بعنوان (حزب الله إلى أين أنت ذاهب؟.. التورّط الإقليمي لحزب الله اللبناني: منحدر زلق بين المقاومة العَقَديّة ضد إسرائيل والتكيّف الاستراتيجي في سوريا)، أن الازدواجية التي يتعامل بها الحزب من حيث صعوبة التحدّي الذي يواجهه ومحاولته التكيّف الاستراتيجي في المسرح السوري.

وتناول الباحث، السياق التاريخي لنشأة الحزب في أعقاب إطاحة الثورة الإيرانية بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979م، وحرص آية الله الخميني شخصيًا على إنشاء كيان مهمّ بديل لحركة أمل المهيمنة إلى الآن في لبنان. واستفاد الحزب قوته شبه العسكرية حتى أصبح له تأثير في الساحة السياسية اللبنانية بعد اتفاقية الطائف، مستغلاً الانقسامات الطائفية اللبنانية، وعمليات التوغّل الإسرائيلي في لبنان عامي 1978 و1982 التي جعلت من لبنان مسرحًا جديدًا للصراع بين القوى التابعة لإسرائيل ونظيرتها التابعة لسوريا البعث، ومحاولة كلّ طرف التأثير في المشهد السياسي اللبناني الداخلي، وتستشهد الدراسة على ذلك بالاعتراف الشهير لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك: «عندما دخلنا لبنان لم يكن حزب الله موجودًا، واستقبلنا شيعة الجنوب بالأرز والورد. وُجودنا هناك هو ما أوجد حزب الله».

أكدت دراسة بحثية متعمقة أن التدخل السوري والإسرائيلي في لبنان فتح الطريق أمام التشدّد الطائفي والتفتّت الاجتماعي؛ فبينما حاول الإسرائيليون الزحف نحو مشارف بيروت لدعم الميليشيات المسيحية أرسلت إيران 1500 مقاتل من الحرس الثوري إلى وادي البقاع اللبناني عبر الأراضي السورية، وهو ما وفّر أرضًا خصبة لاحتضان حزب الله. وأكّدت الدراسة أن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد تبنّى موقفًا برجماتيا في نهاية المطاف على الرغم من تحفّظاته الأوّلية وقلقه من التوغّل الإسلامي لطهران، فتعاون مع إيران مظهرًا حنكته الدبلوماسية في ذلك الوقت بالمبادرة بدعمها ما دامت ستتبع الخط السوري، وتمّ إنشاء محور شيعي يمتد من إيران إلى سوريا، وصولاً إلى جنوب لبنان والحدود مع إسرائيل، دعمه عداء البلدين المشترك لعراق صدام حسين، وعمل حزب الله على خطوط هذا المحور نيابة عن إيران لتثبيت موطئ قدم جيوسياسي لطهران في بلاد الشام. وأشارت الدراسة إلى أن تكشّف الواقع السياسي الدقيق في لبنان في أعقاب ثورة الأرز، وتبعيته للبرنامج السوري، نفى ما كان يدّعيه المحور الشيعي من العداء المشترك لإسرائيل، وبرهن على أن حزب الله استغلّ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مزارع شبعا لمواجهة التداعيات المحلية للتفكّك الاجتماعي والقطيعة الطائفية التي كانت ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزع أهم أدواته، وهو الجناح العسكري؛ فاستمرّ الحزب في التأثير في السياسة اللبنانية بحزمٍ.

ورصدت الدراسة الجوانب التي أدّت إلى زيادة تغلغل حزب الله في البنية السياسية في لبنان من خلال توفير الرعاية الاجتماعية للشيعة، وإنعاش أوضاعهم المعيشية، وهي: الأسلحة الروسية المضادة للدبابات التي استخدمها الحزب وغيّر بها قواعد اللعبة خلال حرب لبنان الثانية، والتمويل الإيراني، ونقل الأسلحة المستمر إلى الحزب. وأكّدت الدراسة أن إعادة تسليح الحزب في مناطق خارج جنوب لبنان مكّنته من الإفلات من رقابة قوات الأمم المتحدة، واستمرار قدراته العسكرية في النمو.

وتشير الدراسة إلى أهمية إدراك أن الصراع بين إسرائيل وحزب الله هو نتيجة تنافس استراتيجي جوهري يظهر جليًا للعيان، وليس مقاومة، وترصد الدراسة أبعاد هذا التنافس المكانية والمساحية والآيديولوجية؛ فالتنافس مساحي بمعنى أن الاحتلال الإسرائيلي الفعلي لجنوب لبنان الممتد خمس عشرة سنة (1985 – 2000)، والخلافات المستمرة على وضع الأراضي في مرتفعات الجولان ومزارع شبعا، ما زالا من دون حلّ، وهما يؤثّران في التطلّعات السياسية والإقليمية للبلدان الأخرى أيضًا، مؤكدة أن كلا الطرفين حاول التأثير في الفسيفساء السياسي اللبناني على مدى ثلاثين سنة لمصلحته، وزيادة نصيبه الخاصّ من النفوذ على حساب النظام الفرعي الإقليمي المحيط، حتى مع تعريض كلا الطرفين مصالح حلفائهما للخطر.
وأكّدت الدراسة في تناولها البُعد الآيديولوجي للصراع بين إسرائيل وحزب الله أن الحصول على تنازلات إقليمية أسهل من تنازل أي من الطرفين عن جزء من نفوذه، وهو ما يجعل الصراع بينهما طويل الأمد. وترى الدراسة أن التنافس الثنائي بين الطرفين يقوم على اعتراف ضمني متبادل بامتلاك كلّ منهما القدرة على إلحاق خسائر كبيرة بالآخر في حال وجود تصعيد جديد بينهما؛ لذلك يحرص الحزب على استمرار علاقة مساومة حذرة وضمنية مع إسرائيل تسهم في نهاية المطاف في ضبط النفس بدلاً من إثارة تصعيد مضرّ. وفسّرت الدراسة الهدوء النسبي الذي يميّز مشهد ما بعد الحرب على الحدود المشتركة بين حزب الله وإسرائيل بأنه يمثّل تقاربا بين الطرفين من حيث التصورات والحسابات؛ إذ لا يرغب أي من الطرفين في إضعاف المعادلة الاستراتيجية القائمة.

وتناولت الدراسة التأقلم الاستراتيجي للحزب من خلال تدخّله في سوريا؛ فرصدت التأثيرات الجانبية للوجود السوري في لبنان، وأكّدت أن التوترات بين الفصائل الموالية والمعارضة للأسد في لبنان استمرت في الاشتعال على خلفية الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، وأن هذا المسار المتشابك جمع الدولتين المتجاورتين، مشيرة إلى أن العنف المتكرّر في الأراضي السورية قاد لبنان مرة أخرى إلى حالة من عدم الاستقرار. ونفت الدراسة صحة السبب الذي أعلنه حسن نصر الله – الأمين العام لحزب الله – عندما تعهد علنيًا بالولاء لنظام الأسد بعد أيامٍ قليلة من زيارته طهران في أبريل (نيسان) عام 2013م، وهو محاربة متشدّدي السنة حسب زعمه، الذين يراهم يشكّلون تهديدًا للشيعة والمسيحيين اللبنانيين، وأن سوريا الأسد يجب أن تظلّ حليفًا مهمًا للحزب في مقاومة إسرائيل، وأعلنت الدراسة بوضوحٍ أن السبب الرئيسي وغير المعلن لدعم نصر الله نظام الأسد هو أن طهران تعدّ دمشق في ظلّ هذا النظام من أهم أنصار حزب الله، وفي حالة سقوط نظام الأسد سيتزعزع وجود حزب الله الاستراتيجي في لبنان ويضعف بشكل ملحوظ، كما أن مشاركة قوات حزب الله في سوريا تمثّل أهمية بالغة لنظام الأسد في قتاله مع الأطياف المتزايدة من القوات المناهضة له. كما ترى الدراسة، ضمن السياق الاستراتيجي الأوسع، أن احتفاظ الأسد بالسلطة سيكون له تأثير إقليمي مطلق؛ فالإمدادات الإيرانية من الأسلحة التي تمرّ عبر سوريا إلى جنوب لبنان بالقرب من الحدود الإسرائيلية ستعزّز المحور الشيعي الممتد من طهران عبر بغداد وصولاً إلى أقصى المناطق الجنوبية في لبنان.
وتناولت الدراسة بالتفصيل أهمية معارك الزبداني والقصير لحزب الله اللبناني في إطار المحافظة على البُعد الاستراتيجي للمعسكر الشيعي الدولي الموالي للأسد؛ لأن الاستيلاء على الزبداني في 3 يوليو (تموز) عام 2015 مثّل خطوة منطقية في محاولة أوسع لوصل النقاط، وتأمين المناطق التي تقع ضمن نفوذ القوات الموالية للأسد الممتدة من دمشق إلى سفوح القلمون وإلى الحدود الغربية للبنان، إضافة إلى تمكين مقاتلي الحزب وقوات الجيش السوري من تشتيت المعارضة، ومهاجمة بؤر المعارضة المسلحة في المناطق الأخرى على طول الحدود اللبنانية السورية، إضافة إلى استغلال ذلك ضمن حملة إعلامية محسوبة لإظهار قدرة النظام السوري وحلفائه على إملاء شروطهم على مسار الأحداث.

ورأت الدراسة أن إعلان حسن نصر الله ولاءه للأسد في ربيع عام 2013م تأخّر عن المشاركة الفعلية لمقاتلي الحزب في المشهد السوري؛ إذ كان الحزب يحارب في سوريا كفصيل رسمي منذ عام 2012م لكن بشكل سرّي. ورصدت الدراسة أهمية معركة القصير التي اندلعت في أوائل شهر أبريل عام 2013م للحزب والنظام السوري؛ فهذه المدينة تتمتّع بموقع استراتيجي؛ إذ تقع في المنطقة المجاورة مباشرة لمفترق طرق على الطريق السريع رقم (5) الذي يصل دمشق بمحافظتي اللاذقية وطرطوس في الشمال الغربي عبر حمص، والطريق السريع رقم (4) المؤدي إلى بعلبك في لبنان، الذي يقطع وادي البقاع اللبناني الذي ظهر فيه الحزب في بدايات ثمانينات القرن الماضي، وأن التحكّم في القصير يحافظ على حلقة الوصل مع وادي البقاع، والسيطرة على رقعة من الأرض تمتدّ شمالاً إلى المحافظات الساحلية للبحر المتوسط التي تشكّل معقل العلويين؛ لذلك اجتمعت قوات نظام الأسد مع قوات حزب الله على الأرض لمحاصرة المدينة والسيطرة عليها في أول إعلان رسمي لمشاركة الحزب في القتال الدائر في سوريا، حتى اضطرّ الثوار إلى الانسحاب من المدينة عشية الخامس من يونيو (حزيران) عام 2013م، ووصف قائد الثوار العقيد السوري عبد الجبار العكيدي الحديث عن تجربته ومشاهداته في القصير بأنه كفيل بأن يملا مجلدات، قائلاً: «كانت قوة النيران هائلة، لم أرَ مثلها قطّ في حياتي»، مشيرًا إلى القوة الجوية التي استخدمتها القوات الحكومية إلى جانب قوات حزب الله التي كانت تقاتل على الأرض بلا هوادة، وهو ما يعكس الجانب الدموي المأساوي في هذه المعركة وغيرها من المعارك الحاسمة في المشهد السوري، وكشفت مقاطع فيديو بثّها ناشطون سوريون إعدام مقاتلي الحزب جرحى سوريين والتمثيل بجثثهم، إضافة إلى استهدافهم المدنيين العزل والأبرياء، وهي المشاهد التي عكست توغّل الحزب في طائفيته المقيتة، وانعكست على الداخل اللبناني، مؤكدة أن حسن نصر الله يقود حربًا طائفية ضد الشعب السوري يرتكب من خلالها مجازر يندى لها الجبين. وأكّدت الدراسة أن حرص حزب الله على التخفيف من حدة الفوضى المتزايدة في محافظتي حمص والقلمون تعدّ جزءًا من مخطط استراتيجي أوسع يصرّ على تنفيذه النظام السوري وحليفه بالوكالة، ويتضمن: الحفاظ على البُعد الاستراتيجي من خلال تأمين طرق حيوية للعبور تربط بين العاصمة دمشق والباحة الخلفية الاستراتيجية لها في لبنان، ودعم صمود حزب الله من أجل الحفاظ على السيطرة على الأراضي التي تربط بين المناطق الساحلية العلوية في الشمال والمحيط الجنوبي الغربي على الحدود اللبنانية حيث يمتد نفوذ الحزب.

وتؤكّد الدراسة أن الحرب المستمرة في سوريا، التي امتدت إلى لبنان، تكشف حقيقة واضحة، هي أن حزب الله منشغل الآن؛ فإذا حدث تصعيد آخر مع إسرائيل فقد يضطر الحزب إلى التعامل مع جبهتين، وهو ما من شأنه تشتيت الحزب وإنهاك قدراته بشكل كبير، وأن تنفيذ أي حملة عسكرية إسرائيلية مشابهة لتلك التي حدثت في صيف عام 2006م سيدفع لبنان إلى حافة الانهيار. وتتساءل الدراسة: كيف لحسن نصر الله أن يفاخر كذبًا في جميع أنحاء المنطقة بإنجازاته المزعومة التي أجبرت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، ومقاومته التوغّل الإسرائيلي عام 2006م، وهو الآن يضاعف الآثار السلبية للاضطرابات في المنطقة، ويضع ميليشيا الحزب نفسها في موقف ضعيف بتدخّلها الصريح في سوريا منذ عام 2013م؟!

وتؤكّد الدراسة أن تورّط الحزب في بلاد الشام يمثّل تحقيقًا لأهداف استراتيجية تتعلّق بمسألة وجود الحزب نفسه؛ لذلك تكبّد الحزب كثيرًا من الخسائر على أرض المعركة السورية؛ فقد أكّدت المصادر مقتل ألف مقاتل من مقاتلي الحزب منذ اضطلع بدورٍ له في سوريا.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleppy
Sleppy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *